كتب, مراجعات, شخصي

مراجعة رواية The Appeal

المراجعة موجودة باللغة الإنجليزية على Goodreads

استغرقت قراءتي للرواية أسبوعين، معظمها بين الحافلات والمقاهي، ونادرًا في بيتي. ربما كانت هذه المرة الثانية التي أقرأ فيها رواية بوليسية. فالمرة الأولى كانت عندما قرأت نص مسرحية The Mousetrap  منذ زمن بعيد، حينما كنت أعيش في لندن، قرأتها قبل حضور المسرحية مباشرة، حتى إنني أنهيتها قبيل دقائق قليلة فقط من رفع الستار!على أي حال، وصفت إحدى مراجعات هذه الرواية جانيس هاليت بأنها أغاثا كريستي الجديدة. وأضيف أنا: النسخة الرقمية من كريستي!

كمتخصصة في علم الاجتماع الرقمي وباحثة في الإعلام الرقمي بشكل عام، فقد وجدتني منجذبة للرواية منذ البداية. فالقصة بأكملها تُسرَد من خلال مراسلات البريد الإلكتروني ورسائل الواتساب والرسائل النصية القصيرة، مع عدد محدود من الرسائل “الورقية” الرسمية وغير الرسمية. وربما الأمر الآخر الذي جعلني أشعر بالارتباط بهذا العمل بالارتباط به، هو مكان الأحداث؛ بما أنني موجودة في المملكة المتحدة حاليًّا، وقد قضيُت فيها قبل سبع سنوات ما يقارب ست سنوات (فترة ابتعاثي)، وجدت نفسي منغمسة في السياق الثقافي البريطاني للعمل.

أتفق مع عدد من المراجعات التي ذكرت الشعور بالملل أحيانًا أثناء قراءة الكتاب. فقد انتابني الملل كذلك عدة مرات. ومع ذلك، استطاعت هاليت بطريقة ما أن تشدني مجددًا، حتى جعلت العمل في أكثر من مرة A page turner كما تصفه اللغة الإنجليزية (كتاب يصعب التوقف عن قراءته).

كسعودية، ذكّرني العمل في البداية برواية بنات الرياض لرجاء الصانع التي نُشِرَت في العقد الأول من الألفية الجديدة. والتي بُنيت حول المنتديات الإلكترونية ورسائل البريد الإلكتروني، لكن تركيزها الأساسي كان على التحولات الثقافية والعلاقات العاطفية. ومع ذلك، يتقاطع العملان في تناولهما لرقمنة التواصل.

شككت في إيسي، ثم غيّرت رأيي، وعدت للشك فيها مجددًا. كما شعرت بأن هناك شيئًا غير مريح فيما يتعلق بمارتن وجيمس. أما هيلين وبيج؟ فلم أشك فيهما إطلاقًا!

وكمتحدثة باللغة الإنجليزية لغير الناطقين بها، تعلمت أيضًا العديد من المقولات والأمثال والكلمات والاصطلاحات البريطانية خلال قراءتي للعمل.

ومن قبيل المصادفة، زارت جانيس هاليت جامعة إيست أنجليا  (UEA)، حيث أتواجد حاليًا كباحثة زائرة. وقد حالفني الحظ بحضور محاضرتها، ولقائها شخصيًا، والحصول على توقيعها على كتابها الجديد، وهو جزء آخر من سلسلة The Appeal بعنوان The Silent Appeal.

قرأت أيضًا أن رواية The Appeal  ستُحوّل إلى عمل درامي يُعرض على الشاشة أو على خشبة المسرح — لست متأكدة تمامًا أيهما — وهو أمر خطر على بالي عد ة مرات أثناء قراءتي للكتاب.

عندما حضرت هاليت في جامعة إيست أنجليا، تحدثت عن روتينها الصارم في الكتابة؛ إذ تخصص ساعات الصباح لكتابة ألف كلمة يوميًا. يا إلهي! أتمنى أن أمتلك يومًا ما رفاهية هكذا التزام!

أخيرا – ولأنني أحب المترجمين ولستُ منهم (حتى الآن) – فقد احترت في ترجمة العنوان، ولم تقنعني جميع الاقتراحات! فما رأيكم بالمناشدة؟

مراجعات, أفلام, شخصي

It Ends (2026) الطريق ينتهي هنا

غلاف الفيلم

شاهدت قبل بضعة أيام فيلم It Ends، كانت صالة العرض فارغة إلا من أربعة مشاهدين موزوعون على قرابة ثمان صفوف، ولا أعلم إن كان ذلك من ضعف الإقبال عليه؟ فلم أتحصل حتى الآن على إحصائية بمبيعات التذاكر في السعودية. على كل حال، لم أتمكّن حتّى الآن من تكوين انطباع محدد حول العمل، ناهيكم عن “الخرس” المؤقت الذي أصبت به في نهايته، ولم أملك إجابة لابن أختي حين سألني: “ما رأيك يا خالة؟” قلت له: لا أعلم، ومع إلحاحه، وجدتني أكرر أكثر ما لفت نظري في العمل، وهو أنّ البطل الوحيد الذي كان واقعيًّا بين رفقائه، أو كما يُطلَق عليه: متشائم، كان بالنهاية أكثرهم إصرارًا على بلوغ نقطة النّهاية! كان يحتاج لإجابة، ولا أرغب بحرق الفيلم أكثر على من لم يشاهده حتى الآن. استعنت بأصدقائنا الإنترنت والذكاء الاصطناعي ليجمعا لي مراجعات الفيلم وآراء النّقاد والمشاهدين، وكان هذا المقطع أوّل ما صادفت:

هذه المراجعة، أو كما تُسمّى في الإعلام الرقمي vlog، جعلتني أرى العمل من زاوية أخرى تمامًا، وهي ما يعانيه جيل z، من صدمة نحو مسؤوليات الحياة، التي تشبه الحلقة المفرغة التي لا تنتهي! والنهاية التي يصلون إليها بتقبّل هذا الواقع. التفتت مراجعات أخرى لتواضع الميزانية والإمكانيات التي نُفِّذَّ فيها العمل، وهو ما عرفته قبل دخولي لصالة السينما.

ما أرقني أكثر، هو بحثي عن إجابة عن أفضل ترجمة للعنوان؟ ولمّا لم أجد ضالتي، اخترتُ العنوان الذي يظهر لكم: الطريق ينتهي هنا، وهو بكل بساطة اللوحة التي يشاهدها البطل المذكور آنفًا قبيل نهاية الفيلم.


العمل من الأعمال التي تطرح تساؤلات في نهايتها أكثر مما تقدّم إجابات، وكما وصفه النّقاد فهو فيلم رعب نفسي فلسفي، حتّى أن آخرين ذهبوا لوصفه بحلم حمى كافكاوي، وكذلك بـ: “مزيج معاصر بين مسرحية “لا مخرج” لجان بول سارتر ورواية “المحاكمة” لفرانز كافكا، حيث يغرق الأبطال في قلق وجودي يشبه المتاهة”. وكلاهما عملان لم أحظ بالتّعرف عليهما بعد.


ربّما أختم هنا، بأنّ التعوّد والتأقلم والاستسلام كانوا ثيمات متكررة في الفيلم، فالإنسان الذي يتعرض للهلع والخوف من شيء معين لأول وهلة، مع تكرره، يصاب تدريجيا بالبلادة والتعوّد، في النّهاية يختار الاستسلام. مرعبة هي هذه الفكرة، لكنّها واقع في كثير من الظروف، ولعلّ الإيمان هو المنجى الذي أكرمنا الله به حين أنعم علينا بالإسلام وأن نولد في هذه الأرض الطاهرة، لنتمسّك دومًا بقناعة أنّ الحياة الدنيا هي الممر للآخرة.

ملحوظة: كتبت هذه المراجعة قبل شهر تقريبًا على منصّة X بواسطة خاصية المقالات

#تحدي_الكتابة, #تحدي_التدوين, وجدانيات, زيارات, سياحة, شخصي

تدوينات شوال (١) حينما قرأت العصفورية في حديقة فرويد

صباحُ الخير (جدا) .. كيف حالكم يا رفاق .. تذكرونني؟ مَن بدأت التدوين برثاء والدها مرورا بكيبوردها ووصولا إلى جذور “المعركة” مع الشللية في طفولتها .. ثم سكتت دهرا وأرجو أن لا تنطق كفرا!

صحيح .. ألا تذكركم صباح الخير جدا بالمثل الذي “أبثرونا” به في تويتر لِمَن قال:

كأيِّ شرقي لا أستطيعُ قول: ” أحبّك ” وكلما قرّرت كسر القواعد لأقولها خرجَت: ” كيف حالك؟ ” فأعذرني …. لأنّني ” كيف حالُك جدًا. ”

*على فكرة في رواية تم تحويرها لشرقية (فمنست وهيك)*

ما علينا من هذا كله يا رفاق .. أعود لكم اليوم مع الحنين والذكريات .. آه منها آه ..

الحنين إلى لندن .. سنة اللغة .. التنقل بين المتاحف .. والقراءة الكثير والكثير منها .. “كانت خوش أيام”

كنت قد وضعت عنوان هذه التدوينة على قائمتي (to blog) منذ ٦ سنوات “أي والله” ست سنوات (٢٠١٤)

شاء الله أن لا أنشرها سوى اليوم (الحقيقة أنني بدأت كتابتها في التاسع من مايو الموافق ١٦ رمضان : السبت ٨:٣٠ صباحا بتوقيت السعودية ^ـ^)

المهم

كنت قد زرت متحف فرويد: البيت الذي عاش فيه المحلل النفسي الشهير فرويد في مدينة لندن البريطانية، لمدة عام واحد ثم توفى، وذلك بعد فراره من فينا جراء ما فعله هتلر والنازية باليهود آنذاك (قصة طويلة جوجلوها)

كانت الصدفة آنذاك ،، أن #الكتاب_المرافق لي كان رواية العصفورية لغازي القصيبي ، خرجتُ من الباحة الخلفية للمنز بعد مروري على المتجر (طبعا) وشرائي لعدة هدايا تذكارية .. منها كتاب Freud The Key Ideas  والذي لم أقرأه حتى اليوم بالمناسبة ^ـ^.

fruedthekeyideasbook

نعود للحديقة والعصفورية وغازي وفرويد، جلست في الحديقة وفتحت #الكتاب_المرافق (تقريبا الصفحة ١٠٣) وإذا بي أقرأ عن فرويد في حديقة فرويد .. شعرت حينها لا بغرابة الموقف بل بغرابة الزمن وتقاطعه، رواية نُشِرَت في ١٩٩٦ تُقرأ في ٢٠١٤ في منزل من توفي ١٩٣٩! تقاطع عجيب .. بين الزمان والمكان والتوقيت .. حينها قررت أن أكتب تدوينة بعنوان: حينما قرأت العصفورية في حديقة فرويد!

الطريف .. أنني اليوم شربت قهوتي في كوب فرويد الذي اشتريته آنذاك من نفس المتجر

Freudian Sips – The Unemployed Philosophers Guild

إلى هنا انتهت تدوينتي التي لا أدري إن كنتم قد استفدتم منها شيئا .. أما أنا فقد أزحت عن كاهل my to-do list
مهمة أخرى!

حتى أراكم (مجازا) في تدوينة أخرى كونوا بخير

حساب متحف فرويد في لندن على اليوتيوب

#تحدي_الكتابة, #تحدي_التدوين, وجدانيات, شخصي

تدوينات رمضان (٣): ليه ماتصير(ي) من شلتنا؟

صباح الخير

أنا لا أعلم حقيقة ما الذي جرني للتدوين اليومي في رمضان، بدأته ببوح ثم لمشاركة فائدة والآن لا أريد أن أتوقف! عسى أن لا تنضب أفكاري .. آمين 

لم يكن في بالي شيء لأكتب عنه، فقررت الاستعانة بالمسودات الـ١٧ في مدونتي، فوجدت هذه بتاريخ يناير ٢٠١٧! تنتظرني ولا تعرف أجلها.

Screenshot 2020-04-27 at 03.49.13

قالتها لي زميلة في المرحلة الثانوية، الحقيقة أنها كانت صديقة ثم أصبحت زميلة وبمجرد التخرج من الثانوية العامة أصبحت لا شيء مطلقا. لا أعلم عنها شيئا منذ سنوات، لكنني ما زلت أذكر حتى اليوم وقفتها أمامي، خلفها صالة الرياضة في مدرستنا، تجلس على طرف النافذة الزجاجية “شلتها” المكونة من ٥ أو ٦ بنات، فعرضت علي أختنا في الله أن أصبح من شلتهم. 

أكذبكم القول إن كنت أذكر ردة فعلي حينها، لكنني رفضت، ليس بشدة، لكنني رفضت. على كل حال، كل ذلك لا يهم .. المهم الآن ما الذي عنته جملة: “تصيري من شلتنا” آنذاك؟ 

حسب ما تخونني به الذاكرة، هو أن لا أجلس إلا معهم، وأن أتطبع بطبائعهم، وأوافقهم في كل شيء، وأن أكتم أسرارهم وربما أن لا أعارضهم! 

لا تضيعي وقتنا ما الذي تودين قوله .. الصبر طيب .. “تجيكم السالفة” كما تقول صديقتي الحبيبة لولوه 

تخرجت من الثانوية، وكانت لي “شلة” لكنها كانت – يبدو لي ذلك من بُعد – شلة “اللي مالهم في شي” 

دخلت الجامعة، وإذ بي أتلقى دعوة أخرى للانضمام إلى “شلة” لكنها كانت مدمجة مع استهجان: “ليش تجلسي مع غيرنا” “انتي تجلسي مع ناس كثير من “أنواع” مختلفة” لا أدري لم شعرت بأن تلك مسبة، مع أنني كنت أراني أنا هكذا .. لم لا أجلس مع “ناس من أنواع مختلفة”؟ ما العيب في ذلك؟ ما المشكلة عباد الله؟

تخرجت من الجامعة وهنا لابد أن أتوقف و”أقفز” لمرحلة البعثة، التي وجدت فيها كذلك “الشلة” في الأندية، في التطوع .. هناك دائما شلة .. وأنا دوما لست – بحمدالله – من الشلة. 

دخلت تويتر فوجدت الشلة .. أبحث في منصات الكتابة والتدوين .. فأجد الشلة .. الشلة is every where يا رفاق!

ربما ما “يشفع” للشلة هي أن يقوّي بعضنا بعضا، وليس في ذلك مشكلة قط، تكمن المشكلة في أن تُشعرك الشلة بأن عدم انتمائك لشلة يضعك في خانة: إن لم تكن معي فأنت ضدي. 

تكمن المشكلة في الانغلاق، والأفكار المسبقة، و- أحيانا – الأذية غير المبررة سوى أنك: لست من الشلة! 

تكمن المشكلة في الحرمان من الفرص لتقديم ما تود تقديمه لأنك لست من الشلة،

والأنكى من كل ذلك .. أنك تضطر لصنع شلتك الخاصة! لأن الدنيا “ماشية كدا”. 

أخيرا .. لا توجد فائدة من هذه التدوينة سوى الطبطبة: لا بأس أن لا تكون من شلة .. ستجد شلتك يوما ما، لكن وقتها احرص أن لا تكرر أخطاء الشلل من حولك .. كن يدا معطاءة، ورحّب بغيرك (صوت درويش يرن في أذني). 

#تجارب_غيداء, #تحدي_الكتابة, مهارات - خبرات شخصية, شخصي

تدوينات رمضان (٢): تعرّفوا على “كيبوردي” وآلة “كاتبتي” في ذات الوقت

صباحُ الخير

أشارككم اليوم إحدى مقتنياتي: لوحة مفاتيح على شكل آلة كاتبة. لكن قبلها سأحكي لكم قصة 😃

كان يا مكان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان

دعابة دعابة

القصة هي كالتالي: بحثتُ كثيرًا خلال مرحلة الابتعاث عن لوحة مفاتيح تمنحني إحساسا “عريقًا” بالكتابة، لكنني استسلمت وقررت شراء لوحة مفاتيح متنقلة تعمل بالبلوتوث، وقمت بشراء ملصقات للحروف العربية وعلامات الترقيم ووضعها عليه. رافقتني تلك اللوحة لمدة سنتين تقريبا طوال مدة كتابة الرسالة وتسليمها وغير ذلك من المهام الكتابية.

camphoto_1804928587

 

على كل حال، حينما عدت للسعودية، عادت لي رغبتي في اقتناء لوحة مفاتيح على شكل آلة كاتبة، وبالصدفة وجدت ضالتي على موقع دكان أفكار

لكن ورغم سعادتي بما اقتنيت ظلت فرحتي ناقصة لأن لوحة المفاتيح إنجليزية فقط! بحثت عن أفضل المتاجر التي تطبع بالليزر على لوحات المفاتيح ووجدت أن أكثرها شهرة وادي السيلكون بجدة 

أخيرا: حصلت على لوحة مفاتيح حديثة بلمسة “عريقة” (تجدون صورتها على غلاف التدوينة) والآن أترككم مع هذا المقطع لتسمعوا وتبصروا إحساس الكتابة على جميلي (ياء الملكية). 

 

مصادر:

الكيبورد المتنقل الذي كتبت عنه

 

وهذا رابط شرائه من أمازون

 

وهذه هي الملصقات العربية

 

#تحدي_الكتابة, وجدانيات, شخصي

تدوينات رمضان (١):رمضان الأول دون أبي

رمضان كريم وكل عام وأنتم إلى الله أقرب

لم أخطط لكتابة هذه التدوينة .. لكن ولأنّ الكتابة رئة ثالثة، ولأنّ هذه المساحة لي .. ولأنّ البوح يتحول أحيانا إلى عبء على الآخرين، هنا تأتي الكتابة .. لتقول: دعني وما أريد قوله إن شئت قرأت وإن لم تشأ فما من باب موصد أمامك. المهم أن أتنفس .. وليذهب الآخرون إلى …… .

بداية عنيفة صحيحة؟ هكذا هو الفقد .. الموت حينما يسلب منك أحبابك، قاس ومفاجئ وفج .. يضعك أمام الواقع غير عابئ بك، هو هذا أمامك جثة هامدة، رحل ولا تملك شيئا لاسترجاعه، ابك اصرخ أنكر .. أنت عاجز أمام هذه الحقيقة أنت بشر وهذه هي سنة الحياة.

تغدو سنة الحياة كليشة، يربت بها عليك من يظن أنه يهون عليك، وآخر لا يعبأ بك يريد إنهاء الحديث، وثالث قد يكون أنت .. نعم أنت .. تربت على نفسك: سنة الحياة .. كلنا لها .. “كلنا رايحين”.

تظن حينها أنك تصالحت مع فكرة الموت، مع الفقد. لا .. لا يا عزيزي .. أمامك الكثير لتمر به، حتى تعصف بك ذات المشاعر الأولى، أورحلوا؟ هذه أماكنهم فأين همُ؟

يأتي رمضان ١٤٤١، ليعيد لي كلّ الألم، ليجعلني أعيد استيعاب الموت، نعم .. استيعابه. مضت ١١ شهرا وأنا ما زلت أحاول استيعاب رحيل أبي، أنه ليس هنا، لن يعود .. أنه اختفى من الزمان والمكان ..

هذا مكانك، كرسيك على سفرة الإفطار والعشاء، هذا مقعدك أمام شاشة التلفاز، هذا موعدك ذاهب لصلاة التراويح، هذه عودتك منها، هذه السلالم نازل إلى السحور، هذا الباب خارج لصلاة الفجر .. فأين أنت؟

يقولون بأنّ الرجل لا يشعر بالانكسار إلا حين يفقد أبيه، وهذا تمييز ضد النساء، نعم .. فحتى الابنة ينكسر ظهرها برحيل أبيها، سندها، لم ينكسر قلبي فقط .. انكسرت بداخلي أشياء كثيرة .. ربما لم أعيها حتى الآن ..

كتبت مرة عن الفقد، كنت أعني فقد الأحياء .. غيابهم والشوق لهم أو خروجهم من حياتنا. تأملت تغريداتي تلك وضحكت سخرية مني آنذاك. حينها كتبت أن الفقد يعلمك التقبل والتجاوز .. دعوني أقول لكم ما الذي علمني إياه الفقد الحقيقي:

  • علمني تفاهة التشبث بالأشخاص وسهولة تجاوزهم

علمني فضيلة المشاركة الوجدانية، أن تقول لمن يمر بحزنك: أنا أشعر بك وأعلم تماما ما تمر به

علمني أن اتصالح مع ما حباني الله به من نِعَم وأن أستشعر الزحام فيها ..

ودعوني أقول لكم ما الذي سلبه مني فقد أبي:

المتكأ .. فقدت متكئي حين تتزاحم أمامي منغصات الحياة. كان أبي منبع الحكمة .. مهونا علي .. ناصحا لي .. مرشدا ونورا في طريقي، أحتاجه فلا أجد سوى وجهه وكلماته ترافقني كل يوم .. “ريحي بالك يا بنتي” .. “الدنيا ما تسوى يا بنتي والله ما تسوى” ..

 اللهم إن أبي كان يحب رمضان .. فاللهم اجعل رمضانه في جناتك جنات النعيم .. واجعله في راحة وسعة ونعيم مقيم لا يحول ولا يزول أبدا واجمعني به في الجنة حيث لا أذى ولا أذية.

١/رمضان/١٤٤١

٣:٤٦ صباحا

جدة

IMG_0719