social media, مقالات منشورة, مصادر أكاديمية, معرفة, نحو إثراء المحتوى العربي الأكاديمي, خواطر متفرّقة

Clubhouse: اللاعب الجديد على خارطة وسائل التواصل الاجتماعي، ما الذي يقوله لنا علم الاجتماع الرقمي؟

كعضو في جيل الثمانينات، أملك ذاكرة جيدة عن مسيرة شبكة الإنترنت في السعودية منذ 1999. ابتداء من المنتديات وصولا للاعب الجديد على ساحة وسائل التواصل الاجتماعي: Clubhouse. وكحاصلة على الدكتوراه في مجال الهوية، المرأة واستخدامات وسائل التواصل الاجتماعي، أظنني تشبعت بما يكفي بتحليل تبني هذه المنصات بشكل علمي. في هذه المقالة أحاول رسم خارطة بسيطة عن ما يعنيه Clubhouse بحثيا، انطلاقا مما أعرفه جيدا، وانتهاء إلى التساؤلات غير المحدودة التي يمكن أن نطرحها. كل ذلك إجابة على تساؤل محدد: ما الذي يمكن أن يقوله علم الاجتماع الرقمي لنا عن Clubhouse؟ 

ما هو Clubhouse: 

يقص لنا ويكيبيديا قصة تأسيس Clubhouse في إبريل 2020 (سنة كوفيد-19 أو كورونا كما نسميها). باختصار هو تطبيق للمحادثة الصوتية، يمكن تحميله فقط على أجهزة IOS، ويمكن المشاركة فيه عبر الحصول على دعوة فقط. قفز عدد مستخدمي التطبيق من 1500 في مايو 2020 إلى 6 ملايين في فبراير 2021 وقفزت قيمته السوقية من 100 مليون دولار في مايو 2020 إلى بليون في يناير 2021 ويتصدر عدد مستخدميه كلا من: ألمانيا، إيطاليا، اليابان وكوريا الجنوبية

المنتدى الصوتي هكذا أود تسميته: 

في كل مرة أقرأ كلمة “كلوب”، لا يمكنني إلا أن أتخيل سقوط الواو! لذلك، أفضل تسمية clubhouse بالمنتدى الصوتي، كتسمية إخواننا المصريين للـ Facebook بكتاب الوش 😉 على كل حال، ما الذي أتى به هذا التطبيق للمستخدمين السعوديين؟ وكيف تم تبنيه حتى الآن؟ وما هو المتوقع من أشكال الاستخدامات التي لم تفاجئنا “سعوديا” وما هي الأخرى التي أتى clubhouse ليقدمها ويتحداها؟ هذا ما أحاول مناقشته في الفقرات التالية. 

علم الاجتماع الرقمي: 

يمكن تعريف علم الاجتماع الرقمي ببساطة بأن فرع من فروع علم الاجتماع يهتم بالمقاربة العلمية ما بين التكنولوجيا والمجتمع، بكل ما ينضوي تحته من مواضيع، ابتداء من الأمية الرقمية، الحتمية التكنولوجية، الهويات الرقمية وإعادة تشكيل الهوية، والذكاء الاصطناعي وعلاقته بالخصوصية والبطالة والأنسنة وغيرها. وما يميز هذا المجال هو بينيته، فهو من المجالات التي تجمع أكثر من مجال بحثي، مثل الحوسبة، والاقتصاد، واللغويات وغيرها. إذن، فدراسة تقديم الذات في الشبكات الاجتماعية تندرج تحت علم الاجتماع الرقمي، التحدي الذي يلعبه هذا الأثير المسمى بالإنترنت على تشكيل القيم والهوية ينتمي لعلم الاجتماع الرقمي، الخصوصية التي تخترقها هذه الشبكات وكيف يتكيف المجتمع معها أو يرفضها كل ذلك وأكثر يتناوله علم الاجتماع الرقمي.

ما الذي تحت الشمس؟ 

أولا: البحث العلمي: 

في حياتي الأكاديمية، لم أر تصالحا وتسامحا في “تسريع” خطوات النشر العلمي دون المرور بمسيرة التحكيم العلمي التي تستغرق مدة لا يقل عن الشهر وقد تصل لستة أشهر، كما رأيت خلال جائحة كورونا-19، لكن هذا ليس موضوعنا، إن ما نعرفه حتى الآن إعلاميا عن clubhouse هو أضعاف مضاعفة عن ما تم نشره علميا. خلال بحثي لكتابة هذه المقالة، وقعت على دراستين فقط قامتا بجمع عدد من المقابلات مع مستخدمي التطبيق في أمريكا وكندا، الأولى نشرت في يوليو (2020)، والثانية في الشهر الماضي (يناير 2021)، أسفرت النتائج بشكل عام عن الأثر الإيجابي الذي لعبه clubhouse على الصحة النفسية خلال أزمة جائحة كورونا (كوفيد-19) من حس المشاركة والتواصل والتغلب على العزلة الاجتماعية المفروضة بسبب الجائحة.

ثانيا: الملاحظة ملكة التحليل: 

لم يمض على انضمامي للمنتدى الصوتي clubhouse سوى عدة أيام، لكن حتى الآن أستطيع تكوين تصور مبدئيا عن النمطية في استخداماته كأي تطبيق آخر: 

تقديم الذات: من اختيار للاسم، والصورة، والنبذة، والتي قد يختار البعض توحيدهم مع الشبكات الأخرى بينما يختار غيرهم عكس ذلك (حتى الآن لم أر أسماء كحاطب ليل ووردة نجد فالحمدلله). فكيف يقدم المستخدمون السعوديون أنفسهم على هذه المنصة؟

المواضيع “الشائكة”: هناك مواضيع لن تستغرب وجودها في مكان يجمع المستخدمين السعوديين (أقول ذلك بطريق محايدة ١٠٠٪) المرأة والرجل، العادات والتقاليد، وهل كشف الوجه جائز أم لا 🙂 ، فكيف يناقش المستخدمون السعوديون موضوع س وص وهل يختلف ذلك من منصة لأخرى بين وبين سنة لأخرى؟ (في حال وجد هناك مصدر لذات النقاش في أعوام مضت). 

انهيار السياق: وهي ظاهرة معروفة على منصات التواصل الاجتماعي، فمثلا: لا أريد مشاركة اسمي وصورتي على تويتر هنا، يا الله هؤلاء زملائي في العمل ما الذي أتى بهم هنا؟ يا للمصيبة إنها قريبتي في نفس الغرفة التي أتحدث فيها ألا يمكننا الهرب؟ هل يضع المستخدمون السعوديون الحدود بين حسابهم على clubhouse وغيره من الحسابات على المنصات الأخرى أم لا؟ وإن كان فكيف ذلك؟

ما الجديد؟ 

مبدأ الندرة: أتذكر بالزمانات أن التسجيل بإحدى المنتديات المرموقة – والتي أصبح بعض مدونوها روائيون سعوديون معروفون، بل أن بدايات كتاباتهم الأدبية خطت أولى خطواتها من هناك – كان يستوجب الموافقة والانتظار حتى يتم انضمامك “للنخبة”. يعيد clubhouse هذا المبدأ، فحتى تتمكن من الانضمام لابد أن تتم دعوتك بواسطة مستخدم تمت دعوته من قبل مستخدم آخر. ومبدأ الندرة وهو من وسائل الإقناع التسويقية يجعل التسجيل في clubhouse أكثر جذبا. في وسم #مين_كفيلك_على_كلوب_هاوس ، يتحول الضيف إلى مكفول والمستضيف إلى كفيل، وهو من التشبيهات المثيرة للاهتمام داخل إطار الثقافة السعودية وقوانين العمالة (علم الاجتماع الرقمي مرة أخرى). 

الانفجار النصي تحول لنسخة صوتية: يصل عدد التغريدات على تويتر في الدقيقة لعدد مهول (لا أعلمه) متأكدة أنه يتعدى الملايين لما بعدها. يأتي clubhouse ليتحدث الملايين في وقت واحد في غرف مختلفة حول العالم في ذات الوقت. فما الذي يستحق التناول بحثيا بين كل هذا التدفق؟

المنصة الإعلامية، الراديو الجديد: يقال بأن وسائل التواصل الاجتماعي (خاصة تويتر) حولت كل مستخدم إلى إعلامي، امتلك فيها منصته الخاصة. لكنني أرى بأن التحدي الإعلامي الذي فجره clubhouse قد فاق كل من كان قبله، لماذا؟ لأن clubhouse لا يستلزم رابطا لجلسه مثل zoom، ولا مقابلة “انستجرامية” تحاكي التلفاز، بل إنه يعيد تشكيل المحتوى الإذاعي للراديو بطريقة في منتهى السلاسة والخفة: يمكنك أن تصبح مذيعا وأن تدير برنامجك الخاصة بضغطة زر.ليس ذلك فحسب، بل إن “المواهب” التي سيتم استقطابها عن طريق clubhouse ستحدث نقلة نوعية – أو هكذا أظن – في إضافة أسماء جديدة على الساحة الإعلامية عموما والإذاعية خاصة.

الأهم من ذلك كله، من وجهة نظر المستخدم، فإن clubhouse قد استبدل MBCFM القناة الإذاعية المرافقة خلال “المشاوير” بالسيارة، وما يميزه أكثر من ذلك وجود الاختيار حسب الموضوع، بالانضمام لغرفة والخروج من أخرى. إن ما يطرحه ذلك من فرص بحثية لطرق إدارة الحوار وعلاقته بتصميم التطبيق وطبيعة المواضيع التي يتم طرحها وكيف يتم تناولها وكيف تتعامل المؤسسات الإعلامية مع هذا التطبيق، ومقارنته ذلك بإطار مجتمعي آخر – غير السعودية (مدى التشابه والاختلاف بين هذا وذاك؟) هو مجال واسع جدا جدا جدا

عن “مختمي العلم” أتحدث: 

ما كتبته هنا لا يعد شيئا من الفرص البحثية لتطبيق clubhouse، سواء في علم الاجتماع الرقمي، أم الصحة النفسية، أم اللغويات الاجتماعية، واللغويات بشكل عام، لذلك عزيزي الباحث الذي يعمل على استبيان في هذه اللحظة ظانا منه أنه بهذا قد قام “بتختيم العلم” وسبق غيره إلى نهاية النفق، لا تفرح كثيرا. نشكر لك مجهودك ونثمنه لك، لأن عملك هذا هو لبنة في طريق فهمنا لتبني المستخدمين السعوديين لـ clubhouse وما هي الفرص والتحديات التي سيقدمها هذا المنتدى الصوتي لينضم إلى إخوته وأخواته؟

أخيرا، أتحفظ جدا على حتمية “اندثار” clubhouse أو كونه بديلا عن تويتر وغيرها من النبوءات، فطيرنا ما زال مغردا، وكتاب الوش مازال صامدا حيا يرزق، لكن من يعلم، ربما تنتصر شراهة امبراطورية الفيسبوك ويترك clubhouse الساحة كما استسلم وتركها Path قبله! ما أود قوله أننا ما زلنا في بداية الطريق، وأن هذا التطبيق وغيره يحمل بيئة ثرية للبحث العلمي تتجاوز الاستبانة كأداة للمسح والوصف، فهناك المقابلة والملاحظة بالمشاركة وبدونها، فهلموا هلموا أيها الباحثون فالطريق مازال وليدا.  

مصادر مفيدة:

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s